أحمد بن حجر الهيتمي المكي
256
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة
سب بعضهم أما سب جميعهم فلا شك أنه كفر وكذا سب واحد منهم من حيث هو صحابي لأنه استخفاف بالصحبة فيكون استخفافا به صلى الله عليه وسلم . وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول الطحاوي بغضهم كفر فبغض الصحابة كلهم وبغض بعضهم من حيث الصحبة لا شك أنه كفر وأما سب أو بغض بعضهم لأمر آخر فليس بكفر حتى الشيخين رضي الله عنهما نعم حكى القاضي في كفر سابهما وجهين : وجه عدم الكفر أن سب المعين أو بغضه قد يكون لأمر خاص به من الأمور الدنيوية أو غيرها . كبغض الرافضي لهما فإنه إنما هو جهة الرفض وتقديمه عليا واعتقاده بجهله أنهما ظلماه وهما مبرآن عن ذلك ، فهو معتقد لجهله أن ينتصر لعلى لقرابته رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم فعلم أن بغض الرافضي للشيخين إنما هو لما استقر في ذهنه لجهله ، وما نشأ عليه من الفساد من اعتقاد ظلمهما لعلي وليس كذلك ، ولا على يعتقد ذلك قطعا ، ومأخذ تكفير الرافضي بذلك أنه يعود من اعتقاده ذلك فيهما نقص على الدين لأنهما الأصل بعد النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين وإظهاره ومجاهدة المرتدين والمعاندين ومن ثم قال أبو هريرة رضي الله عنه لولا أبو بكر ما عبد الله بعد محمد صلى الله عليه وسلم أي لأنه الذي رأي قتال المرتدين مع مخالفة أكثر الصحابة له حتى أقام عليهم الأدلة الواضحة على قتال المرتدين ومانعي الزكاة إلى أن رجعوا إليه وقاتلوهم بأمر فكشف الله به وبهم تلك الغمة وأزال عن الإسلام والمسلمين تلك المحنة . ( ثانيها ) أعني الأمور الدالة على قتل ذلك الرافضي أنه استحل لعن الشيخين وعثمان رضي الله عنهم باقراره بذلك ، ومن استحل ما حرم الله فقد كفر ، ولعن الصديق وسبه محرمان ، واللعنة أشد ، وتحريم لعن الصديق معلوم من الدين بالضرورة ، لما تواتر عنه من حسن إسلامه وأفعاله الدالة على إيمانه ، وأنه دام على ذلك إلى أن قبضه الله تعالى ، هذا لا يشك فيه ولا يرتاب وإن شك فيه الرافضي ، نعم شرط الكفر بجحد الضرورة أن يكون ضروريا عند الجاحد حتى يستلزم جحده حينئذ تكذيبه صلى الله عليه وسلم ، وليس الرافضي يعتقد تحريم لعن أبي بكر فضلا عن كونه يعتقد أن تحريمه ضروري ، وقد ينفصل عنه بأن تواتر تحريم ذلك عند جميع الخلق يلغى شبهة الرافضي التي غلظت على قلبه ، حتى لم يعلم ذلك ، وهذا محل نظر وجدل ، وميل القلب إلى بطلان هذا القدر أي باعتبار ما ظهر للسبكي وإلا فقواعد المذهب قاضية بقبول هذا القدر بالنسبة لعدم التكفير ، لأنه إنما يسب أو يلعن متأولا وإن كان تأويله جهلا وعصبية وحمية لكن باب الكفر يحتاط فيه كما هو مقرر في محله . ( ثالثها ) إن هذه الهيئة الاجتماعية التي حصلت من هذا الرافضي ومجاهرته ولعنه لأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم واستحلاله ذلك على رؤوس الأشهاد وهم أئمة الإسلام والدين